الحكيم الترمذي
45
كيفية السلوك إلى رب العالمين
بتوفيق الرحمن ولطائف ثمرات الإحسان . قال اللّه تعالى : وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات : 7 ] . فهذا تفسير اسم اللب : فإنه لام وباء فابتدأ بلام مثل لام اللطف والباء مشدّدة واحدة في الكتابة لكنها من الحروف المضاعفة ، فهي في الحقيقة اثنان : باء البرّ في البداية وباء البقاء بالبركة عليه . وهذا النور لا يوجد لسبب من الأسباب إلّا بفضل مفتّح الأبواب . فأصل ما رزق اللّه تعالى العبد من أصول الدين هو فضل اللّه بلا علة ، ثم جعل فروعه بعلة العبودية . ومجاهدة العبد مقرونة بمعونة الربوبية وهداية الألوهية ، ولا يوفّق بلطف التدبير وحسن التقدير ، حتى يكون أول شيء فضله في الأزل ، فيتيسر على العبد أعمال الخير . واعلم أن اللب لا يكون إلّا لأهل الإيمان ، الذين هم من خاصة عباد الرحمن ، الذين أقبلوا إلى طاعة المولى ، وأعرضوا عن النفس الدنيا ، فألبسهم لباس التقوى ، وصرف عنهم أنواع البلاء ، فسمّاهم اللّه أولى الألباب ، وخصّهم بالخطاب ، وعاتبهم بأنواع العتاب ، ومدحهم في كثير من الكتاب ، فقال اللّه تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي [ المائدة : 100 ] ، وقال : وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ [ البقرة : 197 ] ، وقال : أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ [ الأنعام : 90 ] ، وقال : وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ [ البقرة : 269 ] ، وقال : وَلِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ إبراهيم : 52 ] ، وقال : لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ ص : 29 ] . فمدح اللّه تعالى أولى الألباب وبيّن مراتبهم وسرائرهم مع ربهم وفضائلهم في فقههم وفهمهم وحلمهم حتى أعجز أمثالنا عن إدراك أحوالهم لأنه خصّهم بنور اللب ما لم يفعل ذلك بغيرهم . وأما عند عامة أهل الأدب ومن لهم معرفة بشيء من اللغة فإن اللب هو العقل . ولكن بينهما فرق كما بين نور الشمس ونور السراج فكلاهما نور . وهذا شيء ظاهر ، لأنك لا تكاد ترى عاقلين يستوي سلطان علقهما ونورهما ، بل يتفاضل أحدهما على الآخر بزيادة خصّ هذا العقل بها ما لم يبن ذلك في الآخر . فما ظنك بمن خصّه اللّه تعالى بمعرفته وأكرمه بلطائف برّه وأفاض عليه من بحار خيره ما لم يفض منها على غيره .